خليل الصفدي
232
أعيان العصر وأعوان النصر
وكان هذا شهاب الدين الحاجبي كثيرا ما يتّبع كلامي ، ويقصد إصابة مرامي ، ولما سمع قولي قديما : ( المنسرح ) قالت لأيري وهو فيها ضائع * كالحبل وسط البير إذ تلقيه قد عشت في كسّ كبير قلت ما * كذبت لأنّ الكاف للتّشبيه ربّ صغير حين ولّفته * أيقنت لا يدخل إلّا اليسير ألفيته كالبير في وسعه * حتّى عجبنا من صغير كبير وكذا لمّا سمع قولي : ( البسيط ) يا طيب نشر هبّ لي من نحوكم * فأثار كامن لوعتي وتهتّكي أدّى تحيّتكم وأشبه لطفكم * وروى شذاكم إنّ ذا نشر ذكي نظمه أيضا فقال : ( الكامل ) لا تبعثوا غير الصّبا بتحيّة * ما طاب في سمعي حديث سواها حفظت أحاديث الهوى وتضوّعت * نشرا في اللّه ما أذكاها ولما أنشدنيهما قلت له : إلّا أنك نقصتها صفة ، عما وصفتها به فاعترف . ولم يزل الحاجبي على حاله إلى أن ذهبت عينه وأثره ، وأقام في لحده ، إلى أن يشقّه اللّه يوم القيامة ويبعثره . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبعمائة في طاعون مصر . وأنشدني الشيخ ناصر الدين محمد بن يعقوب المكتّب المصري من لفظه قال : أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين الحاجبي - رحمه اللّه تعالى - : ( السريع ) هل لورد الخدود يا صاح شوك * مثل ورد الرّياض قلت العذار وبه قال : أنشدني : ( السريع ) عودوا لصبّ بكى عليكم * يا جيرة ودّعوا وساروا فدمع عينيه عاد بخرا * وقلبه ما له قرار وبه قال : أنشدني : ( السريع ) ودّعتهم ودموعي * على الخدود غرار فاستكثروا دمع عيني * لمّا استقلّوا وساروا وبه قال : أنشدني : ( الطويل ) إلى اللّه أشكو من عليّ فإنّني * شرحت له شوقي وفرط تألّمي وأحوجني للغير بيني وبينه * ويحتاج من يهوى عليّا لسلّم